مأساة قدماء المُحاربين
بداية الألفية الثالثة، نزل جنود مغاربة من الطائرة في مطار أكادير، بعد سنوات طويلة من الأسر في مخيمات تندوف لدى جبهة البوليساريو. يشرع المحاربون في تحية مُستقبليهم، إلى أن يتفاجؤوا بوجه “الكولونيل أيوب” مُبتسما يُحيّيهم!
“أيوب” ليس سوى واحدا من عشرات إن لم يكونوا مئاتا من كبار القادة السياسيين والعسكريين “العائدين” لأحضان الوطن، بعدما حاربوا نفس الوطن لسنوات طويلة في قيادة وصفوف “جبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب”.
أيوب “الكولونيل” وغيره الكثير فتكوا بالآلاف من جنودنا، عذَّبوا المئات، وشردوا عشرات الآلاف، لكن الوطن “غفر” لهم ونعَّمهم في خيراته بمجرد توبة شفهية بسيطة. ملّي طَلعت ليهم رياح ورمال تندوف في الرأس، وشافو القضية ما مْخرجاش، عادوا للأحضان الدافئة ليعيشوا في خيرات بلاد كانوا حتى وقت قريب يرغبون في الاستقلال عنها.
آش منك يا مأذونيات، واش منك يا رخص صيد في أعالي البحار، واش منك يا فيلات وشقق وسيارات وفيرمات ورواتب بالملايين تدخل جيوب “العائدين”، سواء أُدمجوا في مناصب فخرية، أم استراحوا في بيوتهم “أشباحا…لكن وطنيين”!
الآن، دعونا ننتقل لنصف الكأس الفارغ “للأسف”، ولحال آلاف “الموتى- قاعدين” وأسرهم ممن حاربوا لعقود دفاعا عن الوحدة الترابية للملكة. رجال أفنوا حياتهم في الرمال لأجل 500 و1000 درهم مع طاشْمة أولاد، ليجدوا أنفسهم -وهم في خريف العمر- مضطرين للعمل “عسّاس” في فيرمة واحد من نفس الخونة التائبين!
محاربون قدامى لا يجدون ثمن تذكرة تاكسي توصلهم للمستشفيات العسكرية، للعلاج من أمراض وأوبئة أصابتهم في “تْرانشيات” وتْشابولات” الصحراء.
نستذكر هذه المفارقة العجيبة المُؤسفة ونحن نعيش أجواء ونشتم نسمات رياح جزء ثانٍ من سياسة “إن الوطن غفور رحيم”، مع دعوة الملك لإخواننا في الجانب الآخر للعودة والاستمتاع بخيرات وطنهم.
خيرات وطن لم يأخذ منها قدماء المحاربين سوى “الفتافيت” بميزانية تثير الضحك 46,11 مليون درهم، مخصصة حصريا لآداء التأمينات الإجبارية عن المرض لـ 10196 منخرطا، و16863 من حالات التغطية التكميلية عن المرض، مع التكفل بمصاريف دفن 125 محاربا قديما حتى متم غشت 2025. كيتعاونوا معهم على المرض، ويخلصوا عليهم الكفن والسلام عليكم!!
كم من مرة طالبت مؤسسة الحسن الثاني قدماء المحاربين بتقديم إحصاء لأولادهم غير العاملين مع شواهدهم الدراسية، في أفق تشغيلهم كنوع من رد الجميل؟ كم مرة تلقى أولئك الجنود المساكين وعودا بمنح بقع أرضية أو إعانات لاقتناء سكن؟ كم وكم وكم وكم؟ وكل مرة نتيجة واحدة: صوت صرصار الحقل!!
الدولة التي بالكاد تمنح من حرر أرضها دريهمات لإكمال ما تبقى من أجل، هي نفس الدولة التي تعطي لـ “كبار العائدين” المستحوذين على بحارها 102,2 مليار سنتيم إعفاءات ضريبية (راجع مقال إجرام نملة)، تخصص لعزيز وأقرانه من تجار المحروقات 557,1 مليار سنتيم تخفيضات على القيمة المضافة، ومئات مليارات أخرى لفلاحين يُصدرون خيرات الوطن خاما للخارج. وما خفي أعظم.
إننا اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، في حاجة لإعادة الاعتبار لمن أفنوا حياتهم في الصحاري دفاعا عن وحدة الوطن وسلامة أراضيه. في حاجة كذلك لإعادة الاعتبار لمفهوم الوطن والوطنية، لتحويلها من آخر ملاذات الأوغاد كما قال الروائي البريطاني صمويل جونسون، لأول حصون الشرفاء وصناع المجد الحقيقيين.
للقصة بقية…