خميس آيت عْميرة يا دولة!!!!
لحد الساعة، لم تتضح بعد خيوط وملابسات ما وقع في منطقة الخميس آيت عميرة. لكن محاولة اقتحام مخفر درك والسيطرة على ما به من سلاح، إن حدثت بالفعل، لا يمكن إلا أن تُدان باعتبارها فعلا تخريبيا يمس أمن وسلامة الوطن والمواطنين. مع ما يتسوجبه الحادث من تدخل لأفراد الدرك، بما يرونه مناسبا وحسب القانون.
لكن، وحتى لا نكون سُفهاء -ولا نكتفي بالمقاربة التقنية التي خرجت على هاته البلاد- فننكبَّ (ونكتفي) بتصنيف سطحي لمن يخرجون للشارع بين “سلمي” و”تخريبي”، وجب الغوص قليلا في أسباب ما عاشته خميس آيت عميرة بالأمس، وما تعيشه وقد تعيشه مناطق أخرى كإنزكان، الحوز… وغيرهم الكثير.
الفقر يا سادة كما يورث الخوف والذل والهوان وعدم الثقة في النفس، يورث الوحشية والهمجية والجنوح. منطقة سوس ليست مركز مدينة أكادير، ولا مقاهي وشقق “مارينا” الفاخرة المملوكة للملياردير عزيز على شاطئ نفس المدينة. سوس ليست محيط مقر عمالة تارودانت، ولا حتى تكتلات الأعيان المُسيطرة على مجالس الجماعات الترابية.
منطقة سوس هي مئات آلاف الشباب العاطل عن العمل. شبان وشابات يدخلون مساء كما خرجوا صباحا، اللهم بعضا من لفائف القنب الهندي لتخديرهم عن الواقع، وإخراجهم وهميا من البؤس والحرمان.
منطقة سوس هي عشرات آلاف الجانحين، لم يجدوا تأطيرا ولا علاجا ولا عملا، فانحرفوا يبحثون عن حل في حياة إنزكان الليلية.
منطقة سوس عقود من العزلة الجغرافية والتهميش المجالي، حيث السكان مُتمترسون في الجبال لا تتذكرهم الدولة بمعونات كاللاجئين إلا أيام الزلزال أو الثلوج أو الانتخابات. في غياب تخطيط عمراني يستحضر آدمتيتهم، وكأنهم حمام قدرهم أن يستوطنوا أعشاشا في أعالي الجبال.
منطقة سوس هي عشرات آلاف عمال وعاملات السمك، يخرجون من الخامسة فجرا من بيوتهم ولا يدخلون حتى الثامنة مساء. فلا حديث عن حياة خاصة لتربية الأبناء، ناهيك عن انعدام أبسط مقومات العيش بتلك الريالات التي يتقاضونها آخر كل شهر.
منطقة سوس فيرمات بها عشرات آلاف النساء يشتغلن تحت أبشع ظروف الحياة، بـ 60 و70 و80 درهما لليوم مدة 12 ساعة، بلا حقوق ولا حماية. عاملات تُمتهن كرامتهن بدءا من نقلٍ كالبهائم، مرورا بأقصى ظروف العمل وصولا للتحرش وحتى الاغتصاب، مع هضم الحقوق طولا وعرضا.
بحت أصواتنا ونحن نحذر من أن التوزيع العادل للتنمية ليس ترفا، بل ضرورة قصوى لاجتناب انفجار اجتماعي آت لا محال. أكدنا أكثر من مرة أن ما يعيشه قسم كبير من الوطن هو ركود -لا استقرار- قد ينقلب في أية لحظة لبركان هادر لا يدر ولا يُبقي.
بحت أصواتنا ونحن نطالب بتنمية حقيقية للأرياف والقرى كما لمناطق الداخل. تنمية تبني الإنسان اقتصاديا وصحيا واجتماعيا وثقافيا، متجاوز عقلية خمسينات تعتبر الربط بالماء والكهرباء إنجازا يُعتد به!!
أن نُمسك مسطرة “غبية” ونبدأ في تقسيم المتظاهرين؛ هذا سلمي وهذا عنيف ونمر مرور الكرام، ليست حلا ولا طريقة لإيجاد الحل.
الأمن أخطأ في تعامله أول مرة مع المتظاهرين، ظنا منه أنهم “غي براهمش” بمجرد أن يرى بعضهم بعضا يركب سيارات الشرطة حتى تخاف الأكثرية وتُرتدع. لكن ما حدث أن الجيل الجديد اعتبر هذه التجربة بمثابة فرصة لإثبات أنه فاعل وليس بمفعول به. أنه، وعكس الصورة النمطية، مسؤول ومدرك لما يدور حوله.
الجهاز الأمني – الذي غره تطبيل النكافات لقرابة العقد فاعتقد نفسه معصوما من الخطأ (ومن المحاسبة)- مطالب اليوم بحماية التظاهرات الشرعية، ومواجهة كل مظاهر العنف غير الشرعي. كما حدث ويحدث في كل أرجاء العالم.
لكن المشكلة تبقى أعمق، وتتجلى في سياسات أهملت الداخل المغربي والأرياف، وكبَّت جُل جهود التنمية على جزء صغير من البلاد. المعضلة في عقلية استعمارية لا زالت تقسم البلد لشطر نافع يجنون من وراء استغلاله آلاف المليارات، ومناطق “بور” لا نفع منها، اللهم بترويض الفقر وتأهيله، لا القضاء عليه.
الحل يكمن في إعادة النظر في فلسفة الحُكم والإدارة، وفي ذلك ما يُقال كثير.
للقصة بقية…