المال السايب
ما زلنا بعيدين جدا عن مستوى الحكامة والنزاهة في الجارة والشريكة في المونديال إسبانيا، حيث تخضع ميزانية العائلة الملكية لرقابة حكومية مباشرة بعد إقرارها من البرلمان.
تُفحص تلك الموازنة بشكل دوري من مكتب خارجي مستقل، تصادق عليها مصلحة الضرائب وتُنشر تفاصيلها لعامة الناس.
سنة 2016، بلغت ميزانية بلاط إسبانيا سبعة ملايين و775 ألف يورو. صرف منها الملك (الإسباني) مبلغ 7 ملايين و578 ألف يورو، وحققت فائضا بقيمة 177 ألف أورو.
في انتظار الوصول لهذا “سْطاج”، لا زالت حتى المؤسسات “العادية” عندنا بعيدة كل البعد عن منطق المحاسبة والمساءلة. مع خلل رهيب (وربما مقصود) بين الكفاءة والنزاهة في مؤسسات كالجامعة الملكية لكرة القدم أو المكتب الشريف للفوسفات؛ يتم استعمال “الإنجازات” للتغاضي عن المحاسبة بمنطق: النجاح يعني اختفاء الفساد.
المرة الوحيدة التي تحرك فيها قضاة المجلس الأعلى للحسابات، أيام إدريس جطو، اكتفوا بتقديم “إرشادات لتجويد عمليات الاستغلال” في المكتب الشريف للفوسفات عام 2017. لم تُنشر أو تُناقش عمليات الافتحاص المالي للمجموعة، بحجة إمكانية استعمال تلك الخلاصات من قبل منافسين في السوق العالمية.
أما الحقيقية فهي أن أشد النتائج حساسية اقتصاديا وأمنيا وحتى عسكريا يمكن مناقشتها في لجان مغلقة داخل البرلمان، بشكل يضمن الوقوف على أوجه الخلل إن حدثت وعلاجه من جهة، وضمان عدم تسرب أي خلاصات “حساسة” على افتراض وجودها من جهة أخرى.
ما يسري على مكتب الفوسفات يسري على باقي المؤسسات والشركات العمومية الحلوبة، حيث رؤوس أموال طائلة ومردودية ليست دائما بالفعالة أو الناجحة، مع غياب شبه تام للرقابة أو المساءلة.
272 مؤسسة ومقاولة عمومية تلقت عام 2023 مبلغ 65 مليار درهم دعما من الحكومة، فيما لا يتجاوز معدل مساهمتها في ميزانية الدولة 15 مليار درهم سنويا، تأتي أساسا من 4 مؤسسات/مقاولات هي: مكتب الفوسفات، وكالة المحافظة العقارية، بنك المغرب واتصالات المغرب.
مع عشرات مليارات الدراهم مساعدات، بلغ حجم الديون الخارجية لتلك الكيانات 204 مليارات درهم حتى منتصف 2025، بينما تعتزم استثمار 179 مليار درهم عام 2026. أرقام فلكية، ورقابة غائبة…والمال السائب يُعلِّم “الدِّسارة”!!!
بتفصيل قليل في منطق “عدم الرقابة” تبرز -كمثال ثان- الخطوط الملكية المغربية، العملاق المستفيد من مليارات الدراهم سنويا كدعم، والذي سجل خسائر حتى قبل جائحة كورونا. آخر سنة سجلت خلالها المجموعة أرباحا كانت 2018 بـ 156 مليون درهم، لتدخل في خمس سنوات عجاف من الخسائر.
“لارام” نفسها التي سرحت طيَّارين بعشرات المليارات من السنتيمات تعويضات بداعي كورونا لتُعيد توظيفهم سنة بعد ذلك، هي نفس المؤسسة التي وضع رئيس الحكومة تحت تصرفها 250 مليار درهم لاقتناء وتأجير 200 طائرة حتى 2034، دون أي أداة رقابة أو تقييم فعال للآداء.
جامعة كرة القدم (ومعها مؤسسة مغرب 2030) تحت إدارة فوزي القجع، غار آخر من غيران (علي بابا) المليئة بالكنوز، البعيدة عن الرقابة. مغارة لطالما كثرت حولها التساؤلات عن طريقة منح الصفقة بطريقة تعاقدية لا تنافسية، بل وبالأمر المباشر حينا، كما يفعل جيش عبد الفتاح السيسي في مشاريع مصر للبنية التحتية.
من سيطرة شركة بذاتها على صفقات تنظيم الملتقيات (avant scène)، لمنح علامة “سيدي علي” حق تموين كأس أفريقيا وجميع نشاطاته بالماء حصريا، يحضر تساؤل حول شفافية ونزاهة تسيير جامعة الكرة، برغم بريق الاحتفالات وضجيج الاستقبالات!!
اللائحة طويلة فيما تعلق بمؤسسات الدولة ووزاراتها، في مقابل مجلس حسابات يبدو غائبا أكثر من أي وقت مضى عن أداء مهامه الرقابية، قبل تمرير الكرة للقضاء للقضاء على مظاهر الفساد، وتنقية الأجواء.
مجلس حسابات، ومنذ مغادرة جطو على ما كانت تلاحقه من ملاحظات، يبدو أقرب فأقرب إلى التخصص في الجماعات الترابية الصغيرة، مع تنظيم مؤتمرات بطقوس “صوفية” كذلك الذي جمع رئيسة المجلس “زينب العدوي” مع وزير الأوقاف “التوفيق”.
تذكرت زينب حادثة وقعت يوم كانت والية على أكادير، حين سرقت امرأة ورودا من حديقة عمومية. لتبدأ “زينبُ” بالبكاء ويتدخل الوزير التوفيق مواسيا ومُخفِّفا. اللهم قوي إيمانكم يا شيوخ!!
للقصة بقية…