المؤسسات العمومية وأرقام الخيال العلمي!! (تحقيق)
معلومات أقرب للخيال، أو على الأقل لعدم التصديق، وجدتها وأنا أشتغل على ملف بخصوص حكامة المؤسسات العمومية. معطيات، وبعد قراءتها، تجعلنا نطرح تساؤلا حقيقيا حول جدية الادعاء بالسعي نحو “الحوكمة” وترشيد تدبير المال العام، في ظل اتساع الهوة بين ما هو مُعلن وما هو قائم.
“الوكالة المغربية للطاقة المستدامة masen” -مثلا- أعلنت وصول عدد المستخدمين فيها عام 2024 لِـ 152، بزيادة 3 مستخدمين مقارنة بـ 2023. الوكالة (الله يخلف عليها) خلقت 3 مناصب شغل خلال سنة كاملة، جزاها الله عن المغرب والمغاربة ألف خير!
تكاليف المستخدمين عام 2024 بلغت 132 مليون درهم، قافزة من 115 مليون درهم عام 2023. مع زيادة 3 موظفين، ارتفعت مصاريف المستخدمين 17 مليون درهم؛ أيه أ مولاي. وبلاتي، ما زال ما سالات الحفلة!!!
حسب بيانات وزارة المالية، معدل ما تُنفقه الوكالة عام 2024 هو 72 ألف و368 درهم شهريا لكل موظف. أيه أسيدي. أرامكو السعودية، إحدى أصخم شركات العالم، وما فيهاش هذه الرواتب!!!
في نفس الوكالة، بلغت تكاليف اشتغالها -دون احتساب المخصصات- 1952 مليون درهم عام 2024، مع رقم معاملات لم يتعد 1186 مليون درهم. الحصيلة: عجز بأزيد من 633 مليون درهم!!!
“مازن” التي نبه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في تقرير له عام 2020 بأنها تخسر 80 مليار سنتيم سنويا، بسبب سوء اختيار تكنولوجيا الطاقة الشمسية. تقرير بموجبه تم وضع رئيسها السابق مصطفى الباكوري “في الثلاجة” لقرابة ثلاث سنوات، مع منعه من السفر، قبل استبداله صيف العام 2024 بالسيد طارق مفضل، ونبينا عليه السلام.
معطيات غريبة أخرى في مصاريف المؤسسات والشركات العمومية، كتلك المتعلقة بالصندوق المغربي للتقاعد. مؤسسة، رغم تفاقم عزجها لأزيد من ثلاث سنوات: 6,3 مليار درهم عام 2022، و9,8 مليار درهم عام 2023، وصولا لـ 9,13 مليار درهم عام 2024…إلا أن بياناتها الأخرى تشير لغياب أية حكامة في تدبير باقي المصروفات.
في بند الموظفين (المستخدمين) بلغ عددهم عام 2024 رقم الـ 409، بانخفاض 8 مستخدمين مقارنة بـ 2023. لكن نفقات نفس المستخدمين ارتفعت بـ 11 مليون درهم: 145 مليون درهم عام 2023، و156 مليون درهم عام 2024؛ الصندوق يخصص أكثر من 3 ملايين سنتيم لكل موظف شهريا، ولا تخرج قبل أن تكتب: ما هذا يا هذا؟!!!
كوارث هذه المؤسسة العمومية لم تنته بعد، وبياناتها بينها وبين المنطق ما بين السماوات والأرض!! عدد المنخرطين انخفض بـ 400 ألف بين 2023 (1,109 مليون) و2024 (757 ألفا). 400 ألف المفروض أن تنتقل أغلبيتهم الساحقة لبند المتقاعدين، أليس كذلك؟!!!
كلاّ!!! فالمعطيات تشير بدورها إلى “اختفاء” 500 ألف متقاعد من الصندوق المغربي للتقاعد في عام واحد. 2023 تم تسجيل 970 ألف متقاعد، بينما لم يتجاوز عددهم 482 ألف متقاعد سنة 2024. الحصيلة في عام واحد: اختفى من الصندوق 400 ألف منخرط و500 ألف متقاعد!!!
500 ألف متقاعد “المختفية” ستُخفف كاهل مصاريف الصندوق بأكثر من الضعف، لينعكس ذلك إيجابا على نتيجته المالية بالانتقال من العجز إلى الفائض. هكذا تقول الرياضيات، لكن مسؤولي المؤسسة العمومية ووزارة المالية لهم رأي آخر.
أمام 500 ألف مستفيد من المعاشات والخدمات نقصوا بين 2023 و2024، ارتفعت قيمة نفس المعاشات والخدمات بقرابة 3 مليارات درهم، آيه أسيدي!!!! عام 2023، تم صرف 50.157 مليون درهم، لترتفغ قيمة المصروفات لـ 53.081 مليون درهم عام 2024. حسابيا، رفع الصندوق المغربي للتقاعد قيمة معاشات وخدمات متقاعديه بأكثر من 100%. يا سلام، الكويت بجلالة ثرواتها وما دّيرهاش!!!!
أمثلة بسيطة لتضارب كبير وصارخ في معطيات رسمية مرفقة بقانون مالية 2026. معطيات تفيد أن مالية أكثر من 260 مؤسسة وشركة عمومية ليست بخير، برغم كل ما يُقال وكل ما يُفعل. تضارب يصبح معه فتح “مغارات علي بابا” هذه للرقابة والحساب والفحوصات الخارجية المحايدة مسألة ضرورية أكثر من أي وقت مضى.
ولقصتنا دائما بقية…